الغش التجاري والبضائع الفاسدة تهدد مجتمعاتنا
كتبهاhussam wahba ، في 26 سبتمبر 2007 الساعة: 19:38 م
يخسر الاقتصاد الإسلامي أكثر من 55 مليار دولار سنويا بسبب الغش التجاري والبضائع الفاسدة، التي يقوم ضعاف النفوس بإدخالها لمجتمعاتنا دون وازع من دين أو ضمير، مع إخفاء عيوب السلع وطرحها منتهية الصلاحية بالإضافة إلى الغش في الموازين والمكاييل وغيرها من مظاهر التدليس في المعاملات المالية.
لم يقف الأمر عند هذا الحد بل وصل إلى التعليم بطرفيه المعلم والتلميذ وهذا تخريب للعقول وللأجيال الناشئة وخيانة للمجتمع. وهناك أيضا الغش في الطب والأدوية. وتعدى الوضع ذلك كله إلى العلاقات الاجتماعية والزواج والخطبة. هذا كله يطرح سؤالاً مهماً: لماذا انتشرت ظاهرة الغش في مجتمعاتنا؟
تحقيق: حسام وهبة
وضعت “الخليج” هذا السؤال على مائدة العلماء لنقف على الأسباب ونضع الحلول.
بداية يرى د. سيد صبحي أستاذ الصحة النفسية بجامعة عين شمس أن الغش مثله مثل كل الممارسات المرفوضة سلوك غير صحي يكتسبه الإنسان من خلال المجتمع، واستمرار الصمت تجاه الغشاش يجعل الغش عنده إشباع غاية أو هدفا يصل به في بعض الأحيان إلى الإدمان حتى لو لم يكن مضطرا له، وقد تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن البعد النفسي في إدمان الإنسان العادات السيئة، قال: “لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا”.
ومن وجهة نظري فإن الغش الذي استشرى في مجتمعاتنا ووصل حتى إلى المشاعر مرورا بالغش في البيع والشراء إنما أصبح مرضا نفسيا على أساس أن المرض النفسي سلوك مكتسب والغش كسلوك نتج بسبب الخوف والقلق والوساوس ما أدى إلى اختلال تفكير الإنسان واضطراب وجدانه ما يؤدي به إلى أن يسلك هذا السلوك الخاطئ، وإذا أردنا أن نبحث عن العلاج فيجب أن نغرس في نفوس الناس جميعا سلوكيات وعادات صحية مرغوبة مثل الأمانة والصدق مع النفس ومع الآخرين.
اسلوب القرآن
ويضيف د. صبحي: إننا إذا كنا نريد فعلا مقاومة آفة الغش وغيرها من الآفات غير الأخلاقية التي انتشرت في المجتمع المسلم فعلينا أن نستخدم الأسلوب التربوي الذي استخدمه القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم، حيث كان الخطاب الإلهي واضحا وصريحا للإنسان ونفسه وسلوكه وعمله، وإذا نجحنا كعلماء وخبراء في التعاون مع المؤسسات الدينية والتربوية في أن نوضح لأبناء المجتمع المسلم مدى خطورة الغش والتصدع الذي سيصيب مجتمعاتنا في حال استفحال هذه الظاهرة والتهديد الكبير الذي تتعرض له البنية الاجتماعية كلها فإننا سنكون قد وضعنا أيدينا على أول طريق العلاج، فعندما يدرك كل مسلم أن مستقبل الأمة في خطر إذا بني على أسس الغش وعدم الأمانة وأن هذا البناء سينهدم على رؤوس الجميع فإن الجميع دون استثناء سيعملون على تقويم سلوكهم ذاتيا وستشهد الأمة الإسلامية كلها عودة إلى القيم الإسلامية ويلتزم المجتمع بقول الله تعالى: “وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”.
حجر الزاوية
أما د. يحيى مرسي أستاذ علم الاجتماع بجامعة حلوان فيشير إلى أن الغشاش هو الشخص الذي يظهر ما لا يبطن فهو يظهر الأمانة ويبطن الخيانة وأكل أموال الناس بالباطل، والغش من العادات السيئة التي تؤدي إلى إحداث خلل في المجتمع وانتشاره يؤدي إلى انتشار العديد من الأمراض الاجتماعية الخطيرة من أبرزها الكذب والسرقة والقتل وهو ما يعني أن الغش يمكن أن يصل إلى مرحلة يكون فيها السبب الأول في هدم المجتمع كله.
وعن علاج هذه المشكلة يقول د. مرسي: يجب أن يتحرك المجتمع في اتجاهات متعددة أولها ضرورة العمل على وجود منظومة قوانين رادعة للقضاء على كل مظاهر الغش بدءا من الغش في الامتحانات مرورا بالغش الصناعي والتجاري وغير ذلك من المظاهر الفاسدة، وإذا أوجدنا تلك المنظومة القانونية وقمنا بتفعيلها وتنفيذها بحيادية تامة على الكبير والصغير القوي والضعيف فسوف ننجح بلا شك في ردع ظاهرة الغش بجميع أشكالها وعلينا أن ننظر إلى المظاهر الأخرى للغش التي لا نستطيع علاجها بالقوانين مثل غش المشاعر والعواطف فهذا النوع ينتشر بالفعل ويحتاج إلى دراسة متأنية وشاملة والعمل على علاج أسبابه.
ويضيف: يجب أيضا أن نضع في حساباتنا ونحن بصدد معالجة الظاهرة أنها انتشرت بين كل الفئات فلم يعد الغش مقتصرا على فئة دون أخرى أو على وسط اجتماعي دون غيره بمعنى أنها أصبحت مرتبطة بالأنماط السلوكية التي يتعلمها الإنسان من أسرته ومن المحيطين به، وبالتالي ينشأ هذا الشخص ضعيفا ويعتمد في كل المواقف التي تواجهه مع الآخرين في تسيير أموره بصورة غير شرعية كي يكسب المال أو الجاه أو حتى العاطفة فتنمو في داخله نزعة حب النفس والتملك والسيطرة.
وإذا كنا نريد فعلا أن نقضي على هذه الظاهرة فعلينا أن ندرك أنها أصبحت مرتبطة ارتباطا وثيقا بالبناء النفسي للإنسان بمعنى أن الغشاش يرى أن حياته من المستحيل أن تسير في طريقها الذي رسمه لها من دون الاعتماد على الغش، لذا فعلينا أن نضع الأسس الأخلاقية التي تتيح لنا تنقية النفوس من تلك الآفة بحيث نعيد للغش أوصافه الحقيقية من أنه عمل غير أخلاقي وغير شريف ونقضي تماما على المفاهيم التي ترسخت في أذهان الجميع من أن الغش نوع من أنواع الاحتراف المطلوب في الحياة.
الحلول
أما علماء الدين فقد وضعوا مجموعة من الحلول التي يؤكدون أنها في حال تنفيذها سوف تقضي على هذه الظاهرة قضاءً تاماً حيث يقول الشيخ منصور الرفاعي عبيد الداعية الإسلامي المعروف ووكيل وزارة الأوقاف المصرية الأسبق: الإسلام وضع أفضل السبل لعلاج أي مظهر من مظاهر الانحراف يظهر في المجتمع، حيث حث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث يقول الله تعالى: “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر”.
وقد أوجد الإسلام وظيفة المحتسب للقضاء على ظاهرة الغش في الأسواق، والحضارة الإسلامية كانت أولى الحضارات التي تفعل ذلك حيث روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ولى على سوق مكة بعد فتحها سعيد بن سعيد بن العاص كمحتسب حتى ينهى الناس عن الغش أو الخيانة، كما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل إحدى النساء على سوق المدينة المنورة فكانت تمر بالسوق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتضرب بسوطها من خالفها.
ويضيف: إن الإسلام بتعاليمه السمحة قادر على مكافحة كل مظاهر الغش، فقط علينا أن ننشر تلك التعاليم ونعيد تفعيلها بين الناس حتى يعلم كل غشاش أنه يفعل صنيعا يغضب الله ورسوله وأن مصيره سيكون جهنم في حال إصراره على ذلك، فالبائع الذي يغش إذا سمع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم “من غشنا فليس منا” لو سمعه مرة واثنتين وثلاثا لسوف يأتي عليه اليوم الذي يفهم فيه المعنى الحقيقي له أو انه بغشه سيكون خارجا على ملة الإسلام وبالتالي سيحرص على تقويم سلوكياته.
وقد ورد في السيرة أن احد الأنصار قال: كنا أسوأ الناس كيلا حتى انه ليكون لأحدنا مكيالان يشتري بواحد ويبيع بالآخر وما إن نزلت “ويل للمطففين” حتى أصبحنا أحسن الناس كيلا ووزنا وهكذا كان لآيات القرآن الكريم دور مهم في تربية وإعداد المجتمع المسلم وغرس التقوى في نفوس أبنائه وإذا التزم المجتمع بتلك التقوى صارت بيئته نظيفة ونزيهة وطاهرة كقلوبهم. ومن أسس العلاج أيضا يقول الشيخ عبيد: لا مانع من أن يعمل أولو الأمر في بلاد المسلمين على فضح الغشاش وتحذير الناس منه حتى لا يقعوا في شراكه وبهذا يضطر الغشاش إلى الابتعاد عن هذا الخلق السيئ ويضطر مرغما الى قتل غريزة الغش في داخله وأن يتحرى الصدق والأمانة في كافة معاملاته مع الناس بما فيها المعاملات المالية.
ويجب أن ندرك في النهاية أن الدين النصيحة وان المسلمين عندما تاجروا بالصدق والأمانة انتشر الإسلام ويعتقد انه يستفيد من الغش لكنها استفادة محرمة ومن دون بركة وفي الآخرة عاقبتها العذاب العظيم وهكذا يكون قد غش نفسه قبل أن يغش غيره ويتحقق عليه قول الله تعالى: “فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون” (التوبة: 82).
دور التربية
أما د. عبدالله بركات عميد كلية الدعوة بجامعة الأزهر فيشير إلى أن سبب تفشي ظاهرة الغش هو أن أولياء الأمور انشغلوا عن أولادهم وأهملوا تربيتهم وبالتالي افتقد الأبناء القدوة فلم يعد الأب يجلس مع الابن لينصحه ويذكره بحرمة الممارسات غير المشروعة ومنها الغش ويبين له عواقبه وآثاره المدمرة عليه وعلى المجتمع بأسره.
إن أحد أهم أسباب انتشار الغش هو سوء التربية فلو نجحت المجتمعات الإسلامية في إعادة هيكلة مناهجها التربوية بحيث تظهر فيها التعاليم الدينية والأخلاقية التي تنهى عن الغش وغيره من الآفات الاجتماعية الأخرى لقضينا على جزء من مسببات المرض وإذا نظرنا إلى الغش المالي والتجاري فسوف نجد أن أحد أهم أسبابه هو عدم الرضا بما قسم الله فإذا نجحنا في نشر مفهوم القناعة بما وجه الله لنا فسننجح في التخلص من سبب آخر من أسباب انتشار المرض.
وإذا نظرنا إلى العديد من مظاهر الغش فسوف نكتشف أن هناك من يمارس تلك المظاهر وهو لا يعلم أنه غشاش، فعلى سبيل المثال هناك من يروج لنفسه بين الناس انه أعلى مكانة مما هو فيه وأنه خبير في هذا وذاك مثل أشباه العلماء الذين يروجون لأنفسهم أنهم علماء دين ويفتون فيما لا يفهمون ويقنعون أنفسهم بأنهم ييسرون على الناس في أمور الفتوى.
ويستطرد د. عبد الله بركات: يجب علينا أيضا ونحن نكافح هذه الظاهرة أن نبين أضرارها الخطيرة بدءا من اكتساب الإثم من مرتكب الغش ومن علمه ورضي به مرورا بكراهية المسلمين للغشاش ودور الغش في محق البركة وإيجاد مجتمع فاشل في كافة المجالات ونشر الفحشاء والبغض بين المسلمين.
وعلينا أيضا ونحن نكافح هذه الظاهرة إسلاميا أن نكافحها بالإجراءات والعقوبات الصارمة التي يجب أن نطبقها في حق كل من تثبت ضده وذلك حتى يرتدع كل من تسول له نفسه التفكير في ارتكابها ولندرك جميعا أن الله تعالى يدع بالسلطان ما لا يدع بالقرآن خاصة في ظل ضعف إيمان الناس في هذا الزمان ولهذا فعلى الدولة الإسلامية أن تضع منظومة قوانين تعتمد على الشريعة الإسلامية لتكافح الظاهرة بكافة صورها .
ويطرح د. محمد المسير الأستاذ بجامعة الأزهر رؤية علاجية أخرى حيث يقول: إن تفعيل دور العبادة كفيل بالقضاء على كل السلوكيات غير السوية التي انتشرت في مجتمعاتنا ومنها الغش، فالإسلام بيّن لنا أن الصلاة والصيام والزكاة وغيرها من العبادات تطهر الإنسان، فمن المؤكد أن البعد عن التعاليم الإسلامية التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم كان لها الأثر الأكبر في تفشي الظواهر السلبية والغريبة على المجتمع المسلم وما نحن فيه الآن من لا مبالاة بواقعنا الذي نعيش فيه وعدم حرصنا على أن يسود الأمن قطاعات المجتمع فأصبحنا نتكالب على الدنيا من دون ضابط من ضمير أو وازع ديني دون أن يتذكر أي منا قوله تعالى: “ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى”.
وهكذا يجب علينا أن نبين للناس أن الذي يجرؤ أن يغش أي سلعة أو حتى أخلاقه بعيد كل البعد عن الإسلام السمح الذي يدعو إلى الفضيلة.
ولو قمنا فعلا بإعادة تفعيل دور العبادات في تقويم المجتمع فسوف ننجح في المحافظة على حقوق العباد إلى هذا الحد، فقد أغلقت العبادات باب الكذب والتدليس والغش إغلاقاً محكماً، وبيّن أن التاجر الصادق مع النبيين والصديقين والشهداء وحذر من الكذب وقد روي عن رفاعة بن رافع قوله: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فرأى الناس يتتابعون فقال يا معشر التجار فاستجابوا ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 26th, 2007 at 26 سبتمبر 2007 8:26 م
شكرا على الموضوع المهم ولكن يوجد أسباب اخرى للغش ويوجد حلول اخرى متعددة ممكن ان تبعها.
مثلا ذكر قصص نجاح الشركات العالمية التي عندها الجودة في المركز الاول للحفاظ على العملاء والسمعة.
شركة Nestle وامام عيني رمت منتجات عديدة فقط لنسبة مختلفة بسيطة في التصنيع!!
السمعة مهمة جدا ممكن توعية الشركات على هذا والتفكير بالمستقبل.
ممكن العمل على الجانب الديني والعمل على النطاق العالمي والغربي.
تحياتي.
أكتوبر 3rd, 2007 at 3 أكتوبر 2007 3:44 ص
عزيزتى راهاف لديك كل الحق فيما تقولينه ولكن الناس هنا فى مجتمعاتنا لا تستجيب الا اذا ربطتى لها الامر بالدين بحكم انهم شعوب متدينة لكى من كل التحية والتقدير على اهتمامك
ديسمبر 12th, 2007 at 12 ديسمبر 2007 8:47 م
انا لا اهتم بهذه الخزعبلات